هناك رجال تصنعهم اللحظات الفارقة، ورجال يصنعون هم اللحظة نفسها.
وبينما كانت أنظار الملايين تتجه إلى مباريات المنتخب المصري في كأس العالم، كانت هناك معركة أخرى تدور بعيدًا عن عدسات الكاميرات، بطلها عشرات العاملين الذين حملوا مسؤولية تنظيم واحدة من أكبر التجارب الجماهيرية في تاريخ مشاهدة المباريات بمصر، يقودهم رئيس مجلس إدارة مركز شباب الجزيرة، الأستاذ جمال الرملي.
ففي الوقت الذي كان المنتخب المصري يقاتل فوق المستطيل الأخضر دفاعًا عن أحلام المصريين، كان مركز شباب الجزيرة يخوض معركة من نوع آخر؛ معركة التنظيم، والاستعداد، وتأمين راحة الجماهير، وتحويل مشاهدة مباريات المنتخب إلى احتفال وطني مفتوح أمام الجميع، في صورة حضارية عكست الوجه الحقيقي للدولة المصرية ومؤسساتها الرياضية.
منذ الإعلان عن إقامة البطولة، بدأت داخل مركز شباب الجزيرة حالة استنفار كاملة، اجتماعات متواصلة، وخطط تشغيل دقيقة، ولجان تعمل على مدار الساعة، وتجهيزات فنية ولوجستية غير مسبوقة، هدفها الوحيد أن يشعر كل من يدخل بوابات المركز بأنه جزء من حدث استثنائي يليق باسم مصر.
كانت المهمة شديدة الصعوبة، فالأعداد المتوقعة كانت ضخمة، والتحديات التنظيمية معقدة، والمسؤولية مضاعفة، لكن الرهان كان أكبر من مجرد تنظيم فعالية رياضية؛ كان الرهان هو تقديم صورة حضارية عن المصريين عندما يجتمعون حول علم بلادهم.
وفي قلب هذا المشهد، برز اسم الأستاذ جمال الرملي، الذي لم يكتفِ بإدارة العمل من مكتبه، بل اختار أن يكون حاضرًا في الميدان، يتابع بنفسه تفاصيل التجهيزات، ويتنقل بين فرق العمل، ويستمع إلى الملاحظات، ويتدخل سريعًا لحل أي عقبة قد تواجه المنظمين أو الجماهير.
ويقول سيد القاضي، أحد أعضاء مركز شباب الجزيرة، إن الأيام التي سبقت البطولة لم تعرف الراحة بالنسبة لرئيس مجلس الإدارة، إذ كان حضوره اليومي ومتابعته المستمرة للتفاصيل يمنحان الجميع شعورًا بأن نجاح الحدث مسؤولية شخصية يتقاسمها مع كل فرد من أفراد فريق العمل، ويؤكدون أن اهتمامه لم يكن منصبًا على الجوانب التنظيمية فحسب، بل امتد إلى أدق التفاصيل المتعلقة براحة الحضور، من تجهيز أماكن الجلوس، وتوفير الخدمات حتى متابعة حركة الدخول والخروج بما يضمن انسيابية التنظيم وسلامة الجميع.
ولم يكن الهدف قاصرًا على خدمة أعضاء المركز، بل اتسعت أبواب مركز شباب الجزيرة لكل مصري أراد أن يعيش لحظة التشجيع وسط أبناء وطنه، في رسالة حملت معاني الانتماء والوحدة، وأكدت أن الرياضة قادرة على إزالة كل الحواجز الاجتماعية، لتجمع الجميع في مكان واحد، تحت علم واحد، وصوت واحد.
ومع انطلاق صافرة كل مباراة، كانت الساحات تمتلئ بالجماهير، بينما تزينت الأجواء بالأعلام المصرية، وارتفعت الهتافات الوطنية مع كل هجمة للمنتخب،
لم تكن تلك مجرد دقائق لمشاهدة مباراة كرة قدم، بل كانت لحظات عاشت فيها الجماهير إحساسًا نادرًا بالوحدة الوطنية، حيث امتزجت مشاعر الفرح والقلق والأمل في لوحة إنسانية يصعب وصفها.
وقد أسهمت شاشات العرض العملاقة التي أتاحت رؤية واضحة للحضور، في خلق تجربة جماهيرية مميزة، جعلت من مركز شباب الجزيرة مقصدًا لآلاف المشجعين الراغبين في متابعة مباريات المنتخب في أجواء احتفالية منظمة.
وتؤكد منال سعيد، عضوة من أعضاء المركز، أن الأستاذ جمال الرملي كان حاضرًا طوال هذه الفترة بين العاملين، يتابع سير العمل، ويحرص على إزالة أي عقبات قد تؤثر في راحة الجماهير، ويصفونه بأنه قائد ميداني آمن بأن نجاح المؤسسة يقاس بقدرتها على خدمة الناس، وأن الإدارة ليست إصدارًا للتعليمات، وإنما مشاركة فعلية في تحمل المسؤولية.
ويرى أعضاء بالمركز أن هذا الحضور المستمر والمتابعة الدقيقة جعلا رئيس مجلس الإدارة نموذجًا للمسؤول الذي يقود فريقه بالفعل قبل القول، وهو ما انعكس على مستوى التنظيم الذي حظي بإشادة واسعة من الحضور.
ولعل أجمل ما كشفته هذه التجربة أن المؤسسات الرياضية تستطيع أن تؤدي دورًا وطنيًا يتجاوز الملاعب والبطولات، عندما تتحول إلى بيوت مفتوحة للمصريين، ومراكز لصناعة الفرح، ومنصات تعزز الانتماء وتدعم الروح الوطنية.
ولقد نجح مركز شباب الجزيرة في أن يقدم نموذجًا مختلفًا لإدارة الأحداث الجماهيرية، نموذجًا يقوم على التخطيط والانضباط والعمل الجماعي، ويؤكد أن النجاح لا تصنعه الإمكانات وحدها، بل تصنعه الإرادة والقيادة والقدرة على تحويل الأفكار إلى واقع.
وإذا كان لاعبو المنتخب المصري قد حملوا أحلام الجماهير داخل الملعب، فإن هناك رجالًا حملوا مسؤولية تلك الجماهير خارجه. ومن بين هؤلاء، يحظى الأستاذ جمال الرملي بتقدير واسع من أعضاء مركز شباب الجزيرة، الذين يرون أن ما قدمه خلال فترة البطولة يجسد نموذجًا للمسؤول الذي جعل من خدمة الجماهير أولوية، ومن نجاح المؤسسة هدفًا، ومن العمل الميداني أسلوبًا في القيادة.
ستبقى هذه الأيام صفحة مضيئة في ذاكرة مركز شباب الجزيرة، ليس فقط لأنها ارتبطت ببطولة عالمية، وإنما لأنها قدمت درسًا في أن حب الوطن لا يُقاس بالشعارات، بل بما يُبذل من جهد وعمل وإخلاص، وعندما يلتقي الإخلاص بحسن الإدارة، تتحول المؤسسة إلى بيت لكل المصريين، ويصبح النجاح ثمرة طبيعية لقيادة تؤمن بأن أعظم الإنجازات هي تلك التي تُرسم ابتسامتها على وجوه الناس.